فخر الدين الرازي
144
تفسير الرازي
يكون زاجراً لهم عن كفرهم . وقوله تعالى : * ( إلا عباد الله المخلصين ) * فيه قولان أحدهما : أنه استثناء من قوله : * ( ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ) * والثاني : أنه استثناء من قوله : * ( كيف كان عاقبة المنذرين ) * ( يونس : 73 ) فإنها كانت أقبح العواقب وأفظعها إلا عاقبة عباد الله المخلصين ، فإنها كانت مقرونة بالخير والراحة . * ( وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الاَْخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِى الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الاَْخَرِينَ ) * اعلم أنه تعالى لما قال من قبل : * ( ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ) * ( الصافات : 71 ) وقال : * ( فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) * ( الصافات : 73 ) أتبعه بشرح وقائع الأنبياء عليهم السلام فالقصة الأولى : حكاية حال نوح عليه السلام وقوله : * ( ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ) * فيه مباحث : الأول : أن اللام في قوله : * ( فلنعم المجيبون ) * جواب قسم محذوف والمخصوص بالمدح محذوف ، أي فلنعم المجيبون نحن . البحث الثاني : أنه تعالى ذكر أن نوحاً نادى ولم يذكر أن ذلك النداء في أي الوقائع كان ؟ لا جرم حصل فيه قولان الأول : وهو المشهور عند الجمهور أنه نادى الرب تعالى في أن ينجيه من محنة الغرق وكرب تلك الواقعة والقول الثاني : أن نوحاً عليه السلام لما اشتغل بدعوة قومه إلى الدين الحق بالغوا في إيذائه وقصدوا قتله ، ثم إنه عليه السلام نادى ربه واستنصره على كفار قومه ، فأجابه الله تعالى ومنعهم من قتله وإيذائه ، واحتج هذا القائل على ضعف القول الأول بأنه عليه السلام إنما دعا عليهم لأجل أن ينجيه الله تعالى وأوله ، وأجاب الله دعاءه فيه فكان حصول تلك النجاة كالمعلوم المتيقن في دعائه ، وذلك يمنع من أن يقال المطلوب من هذا النداء حصول هذه النجاة . ثم إنه تعالى لما حكى عن نوح أنه ناداه قال بعده : * ( فلنعم المجيبون ) * وهذه اللفظة تدل على أن